2018 December 13 - ‫الجمعة 04 ربیع الثانی 1440
الإمام زين العابدين (ع) بطل القيم الروحية
رقم المطلب: ٥٢٢ تاریخ النشر: ١٢ محرم ١٤٤٠ - ٠٨:٠٤ عدد المشاهدة: 59
محاضرة » عام
الإمام زين العابدين (ع) بطل القيم الروحية

الإمام زين العابدين (ع) بطل القيم الروحية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وأهل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين

في البداية، وفي ذكرى شهادة الإمام علي بن الحسين السجاد زين العابدين (ع)، نتقدم بأحر العزاء وصادق المواساة من مقام مولانا صاحب العصر والزمان (عج) ومراجع التقليد العظام ولا سيما سماحة ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئي (دام ظله)، ومن الأمة الإسلامية جمعاء ومنكم أيها الحضور الكريم بهذه المناسبة الأليمة، سائلين الله عز وجل أن يوفقنا للسير على هدى صاحب الذكرى وانتهاج نهجه.

كما نتقدم بالعزاء منهم جميعاً بالشهداء الأبرياء الذين قضوا نتيجة الاعتداء الارهابي الآثم الذي استهدف عرضاً عسكرياً بمدينة الاهواز، سائلين العلي القدير ان يتغمدهم بواسع رحمته ويحشرهم مع الحسين ع واهل بيته واصحابه، ويكتب الشفاء للجرحى ويلهم اهلنا هناك الصبر والسلوان.

طبعاً ليس بغريب على مدينة الاهواز تقديم الشهداء؛ فسنوات الحرب المفروضة اكبر شاهد على تضحيات ابناء تلك المنطقة التي تكسرت عليها اطماع الغزاة من اذناب الاستكبار والصهيونية.

ولن ينال من عزمهم مثل هذا الاعتداء وسيبقون اوفياء لنهج الامام الخميني رض بالسير تحت لواء الامام الخامنئي دام ظله في مواجهة الاعداء.

واننا نحمِّل داعمي تلك المجموعات الارهابية من استكبار وصهيونية واذنابهما مسؤولية الاعتداء، وسيكون الرد قاسياً وسريعاً، بحيث يجعلهم يندمون على ما ارتكبوا من حماقة.

ان مثل هذه الاعتداءات لن تُثنيَ الجمهورية الاسلامية قيادة وحكومة وشعبا عن سياستها القائمة على العزة والكرامة والمقاومة في مواجهة الاعداء وستستمر في دعم محور المقاومة والمستضعفين مهما بلغت التضحيات.

انه نهج الحسين ع الذي اخترناه ولن نحيد عنه ابداً. هذا النهج الذي جسده صاحب الذكرى الامام السجاد ع حين خاطب ابن زياد وهو اسير:

أبالقتل تهددني يا ابن زياد؟ أما علمت ان القتل لنا عادة، وكرامتنا من الله الشهادة!

أما عنوان محاضرتي هذه الليلة فهو:

الإمام زين العابدين (ع) بطل القيم الروحية

على مرِّ التاريخ والبشريّةُ في سعيٍ حثيثٍ لكشف مَرهَمٍ يلأَم جراحَها، ودواءٍ يخفِّف من آلامها، فوجدَت في الدين ترياقَها الشافيَ وفي الأخلاق والقيم الروحية إكسيرَها المُعافيَ المستخرَجَ من مناجمِ الفطرة السليمةِ التي فطر الناس عليها، ولا أدَلَّ على ذلك من اتّفاق علماء التأريخ والحضارة على نشوء الحضارات الكبرى في أحضان الدين الذي شكّل الإطار العامّ لقيام الحضارات العالميّة التي استثمرت طاقاته الفريدة في تنظيم التجمّعات البشريّة وإضفاء هيكليّة متناغمةٍ على سلوكيّات أفرادها ساهمت في صياغة أنساق الحياة والمعرفة الهادفة وبلورت منظومات حقوقيّة وقانونيّة للتعامل بين مختلف الشرائح المجتمعيّة وقدّمت مقارباتٍ ناجعة للتفاعل الإنسانيّ مع الحياة وتقلّباتها إيمانيّاً ونفسيّاً.

وإنّ ما يصيبُ الحضارات والمجتمعات والدول يعود لغياب الصلة بالله والإعراض عن جوهر الدين؛ فالارتباط بالله يفتح أمام القوى الإنسانية آفاقاً أمام السمع والبصر والفؤاد و رحابة أمام العقل ليحصّنه من التلاشي والتهشيم كقوة النّور تُضيئ ما حولَ الإنسان ليجد صراطه المستقيم و تنير الدرب أمامه ليكتشف سبل الخلاص و تشقّ له الظلمات ليبصر جوهر الحقّ والحقيقة.

وقد واجه الإمام زين العابدين (ع) تحدّياتٍ كبرى في عصره، ولا سيّما على المستويَين الفكري والثقافيّ، تجسّدت في ما يشبه "حرباً ناعمةً" شنّتها أجهزة الحكم الأمويّ الإعلاميّة  بهدف خلق حالة خواءٍ روحيٍّ وتبلُّدٍ فكريٍّ في أوساط الأمّة للقضاء على جوهر الإسلام وتشويه تعاليمه الأصيلة التي كانت قد اكتسبت زَخَماً جديداً في أعقاب النهضة الحسينيّة. ويكفي إلقاء نظرة على بعض المظاهر السائدة في ذلك العهد حتى يتبيّن لنا عمقُ المأساة.

فهذه مدينة رسول الله (ص) التي كانت قاعدة انتشار الحضارة الإسلامية، شاع فيها الغناء  حتى أصبحت مركزاً له ومقصداً للمغنين والمغنيات من شتى البلدان.

قال أبو الفرج الأصفهاني: إن الغناء في المدينة لا ينكره عالمهم، ولا يدفعه عابدهم.

وقال أبو يوسف لبعض أهالي المدينة: ما أعجبَ أمركمَ يا أهل المدينة في هذه الأغاني! ما منكم شريف ولا دنيء يتحاشى عنها.

ومن طريف ما يُنقَل أنه شهد عند عبد العزيز المخزومي، قاضي يثرب، دحمانُ المغني الشهير لرجل من أهل المدينة على رجل من أهل العراق فأجاز القاضي شهادته وعدله، فقال له العراقي: إنه يغني ويعلم الجواري الغناء، فقال القاضي: غفر الله لنا ولك، وأينا لا يتغنى.

كانت تقام في يثرب والمدينة حفلات الغناء والرقص لأشهر المغنين والمغنيات، وربما كانت مختلطة بين الرجال والنساء، ولم توضع بينهما ستارة.

ويبدو أن الأمويين كانوا يهدفون من وراء نشر الغناء والمجون في المدينة إلهاءَ الشباب به وإبعادهم عن الاهتمام بالشأن العامّ ليخلو لهم الجوّ بتنفيذ مشروعهم بضرب الإسلام.

من هنا، ندرك الدور العظيم الذي نهض بأعبائه الإمام السجاد (ع) حين وجّه اهتمامه لإحياء القيم الروحية والمثل المعنوية في التعامل مع تلك التيارات المنحرفة، فقد رأى أن حركة الدين في الإصلاح لا تقتصر  على مواجهة التحدّيات الخارجيّة وإنما البدء بمقارعة طغيان النفس وترويضها و وهو الجهاد الأكبر؛ فكان تعزيز الارتباط بالله من خلال الدعاء والمناجاة والسلوكيات سلاحَ الإمام في معركته.

وما الصحيفة السجادية ومظاهر عبادة الإمام (ع) التي طفحت بها كتب التاريخ والسيرة في غمرة تلك الأجواء الفاسدة إلا نوعاً من الصدمة الإيجابية التي لفتت انتباه الأمة للإسلام وقيمه المعنوية، لتسأل نفسها: إن كان الإسلام هو ما يطبّقه زين العابدين (ع)، فأين نحن منه؟؟

في الأجواء الملوّثة تضعف مناعة الإنسان وتمسّ حاجته لمراجعة طبيب كي يصف له الدواء الذي يعزّز مناعته. وقد أدى الإمام زين العابدين (ع) دور الطبيب الروحي للأمة في ظل الأجواء الفاسدة التي سادت عصره، فرأى أنّ العلاج يكمن في مضاعفة جرعة القيم الروحية والمعنوية لتجاوز تلك الحالة. فلا نستغرب بعد ذلك ما تنقل الكتب عن شدة عبادة الإمام (ع) وزهده وتقواه؛ فقد كانت تلك الطريقة نهجه لإصلاح المجتمع؛ فصار بحقٍّ بطلَ القيم الروحية في عصره.

وأستعرض فيما يلي نماذج من أسلوبه العلاجي لداء الأمة الأخلاقي نقلاً عن معاصريه:

- الارتباط بالإمام (ع) من عوامل ترسيخ خشية الله

حدثنا عبد الله بن موسى، عن أبيه، عن جده، قال: كانت أمي فاطمة بنت الحسين، تأمرني أن أجلس إلى خالي علي بن الحسين - عليهما السلام - فلما جلست إليه قط إلا قمت بخير قد أفدته، إما خشية لله تحدث في قلبي لما أرى من خشيته لله تعالى، أو علم قد استفدته منه.

 

- ربط عبودية الله بالمُثُل الروحية

أتت فاطمة بنت علي بن أبي طالب عليه السلام إلى جابر بن عبد الله فقالت له: يا صاحب رسول الله صلى الله عليه و آله، إن لنا عليكم حقوقاً، ومن حقنا عليكم إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه اجتهاداً أن تذكروه الله وتدعوه إلى البقيا على نفسه، وهذا علي بن الحسين عليه السلام بقية أبيه الحسين عليه السلام قد أنخرم أنفه ونقبت جبهته وركبتاه وراحتاه، أذاب نفسه في العبادة.

فأتى جابر إلى بابه واستأذن، فلما دخل عليه وجده في محرابه، قد أنصبته العبادة، فنهض علي عليه السلام فسأله عن حاله سؤالاً خفياً، أجلسه بجنبه.

ثم أقبل جابر يقول: يا بن رسول الله، أما علمت أن الله خلق الجنة لكم ولمن أحبكم، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم، فما هذا الجهد الذي كلفته نفسك؟

فقال له علي بن الحسين عليه السلام: «يا صاحب رسول الله، أما علمت أن جدي رسول الله صلى الله عليه و آله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلم يدع الاجتهاد له، وتعبّد هو بأبي وأمي حتى انتفخ الساق وورم القدم، وقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً».

فلما نظر إليه جابر وليس يغني فيه قول، قال: يا بن رسول الله، البقيا على نفسك، فإنك من أسرة بهم يستدفع البلاء، وتستكشف اللأواء، وبهم تستمسك السماء.

فقال: يا جابر، لا أزال على منهاج أبوي مؤتسياً بهما حتى ألقاهما.

فأقبل جابر على من حضر فقال لهم: ما رُئي من أولاد الأنبياء مثل علي بن الحسين عليه السلام إلا يوسف بن يعقوب عليه السلام، والله، لذرية علي بن الحسين أفضل من ذرية يوسف.

 

- التجسيد العملي للارتباط مع الله

عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: "كان علي بن الحسين عليهما السلام إذا قام في الصلاة تغير لونه فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض عرقاً". وما وصف طاوس بن كيسان، من كبار التابعين وأصحابه، لحالاته (ع) في المناجاة والابتهال إلا بعضاً منها.

 

- بثّ روح الإصلاح الحسينية في العبادة

رغم أن للطقوس الدينية أهميةً كبيرة، لكنّها ليست معياراً لتقييم الدين، حتى تتحوّل تلك المفاهيم الرمزيّة لممارسات عمليّة تسهم  في بناء المشروع الإلهي بخلق جنّة الله على الأرض يستظلّ فيها الإنسان على المستويين الفردي والجماعيّ بثمارها الطيّبة قسطاً وعدلاً.

وهو ما أشار إليه الإمام الحسين (ع) في معرض بيان الهدف من نهضته حين قال:

"إن هذه الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا فإني لا أرى الموت إلا سعادة ولا الحياة مع الظالمين إلا برما إن الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون".

ورغم القيود التي كانت مفروضة على الإمام زين العابدين (ع)، كان يستثمر كلّ فرصة ولو رمزية للتذكير بالرسالة الحسينية من خلال عباداته؛ تأكيداً على أن الدين الذي لا يدعو للمقاومة ومواجهة الطغيان بعيد عن جوهره الإلهي.

فكان أوّلَ من صلّى على هذه التربة؛ إذ بعد أن فرغ من دفن أبيه وأهل بيته وأنصاره أخذ قبضة من التربة التي وضع الجسد الشريف الذي بضّعته السيوف، فشدّ تلك التربة في صرّة وعمل منها سجادة ومسبحة ... ولما رجع الإمام هو وأهل بيته إلى المدينة صار يتبرّك بتلك التربة ويسجد عليها ويعالج بعض مرضى عائلته بها ، فشاع هذا عند من يقتدي بهم ..

فأوّل من صلّى على هذه التربة هو زين العابدين ، ثمّ تلاه ولده محمّد الباقر وحثّ أصحابه عليها ، ثمّ ولده جعفر الصادق عليه السلام ؛ ففي مصباح المتهجّد لشيخ الطائف الشيخ الطوسي قال : « كان للإمام الصادق عليه السلام خريطة من ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، فكان إذا حضرته الصلاة صبه على سجادته وسجد عليه. ثمّ قال : إنّ السجود على تربة أبي عبد الله عليه السلام يخرق الحجب السبع ».

ويروي صاحب الوسائل عن الديلمي ، قال : كان الصادق عليه السلام لا يسجد إلّا على تربة الحسين عليه السلام تذلّلاً لله واستكانة إليه ، ولم تزل الأئمّة من أولاده وأحفاده تحرك العواطف ، وتحفز الهمم ، وتوفر الدواعي إلى السجود عليها ، حتّى التزمت الشيعة الإماميّة بها إلى هذا اليوم.

***

إننا نشعر أنّ مأساة الإنسانية في جميع الساحات متماثلة متشابهة ولا يمكن أن تتخلص منها إلا بفهم الدين الإلهي بشكل سليم من خلال التأسّي بالثقلين، ونرى أن من يتجاهل النفس و تهذ يبها و كبح ميولها الأمّارة بالسوء وأهواءها الشيطانيّة النفسانية سعياً وراء حطام الدنيا شريك لا يختلف كثيراً عن من يتوهّم أن رسالة بثّ رحمة الله تعالى هي شأن خاصّ لا علاقة له بالشأنَين السياسي والاجتماعي.

  فَشَتّانَ بين من يتشدَّقُ بالفضيلةِ ولا يعملُ بها من قوى العالم المستكبِر وبين مدرسة الإسلام الأصيلة المنبعثةِ من تعاليم محمد (ص) وأهل بيته المعصومين (ع) الذين حثُوا على العمل: "کونوا دعاة الناس بغیر ألسنتکم "،ولعلّ السبب في ذلك البَونِ الشاسعِ يعود إلى عامل المناعة التي أكّد عليها الرسول الأكرم (ص) لحماية تلك القيم السامية من الانهيار، من خلال الدعوة للتمسّك بمكارم الأخلاق؛ الركنِ الآخرِ للدين، حتى قال (ص): " إنما بُعثت لاُتمِّم مکارمَ الاخلاق ".

وفي كلامه هذا منتهى الأخلاق والعدل حين أشار وأشاد بـ"الإتمام" بجهود من سبقه من الرسل والأنبياء، ونبّه إلى أنّ رسالة بعثته الإلهيّة في إنقاذ البشر لا تكتمل إلا بالتحلّي بمكارم الأخلاق التي تمثّلها الإمام السجاد (ع) في سيرته.

وما أحوجَنَا في عالم اليوم إلى الاقتباس من تلك القيم السامية في عصرنا الذي تعصف به أزمةٌ أخلاقيّةٌ وروحيّةٌ نفخَ في نارها المدمّرةِ فئاتٌ جشعةٌ لا أخلاقيّةٌ أحرقَت الأخضرَ واليابسَ ودمّرَت الحجرَ والبشرَ وخلقَت شياطينَ بشريّةً جاهلةً متعصّبةً عمياءَ تقتل وتذبح باسم الدين، ثم، ويا لَلعجبِ، تُوجِّهُ تهمةَ الإرهاب للأبرياء الشرفاء الذين يدافعون عن حقوقهم المشروعة؟

***

في الختام، أكرر شكري لكم جميعاً متمنياً للجميع التوفيقَ والنجاحَ.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

والسلام عليکم و رحمةالله و برکاته



Share
* الاسم:
* البرید الکترونی:
* نص الرأی :
* رقم السری:
  

أحدث العناوین
الاکثر مناقشة
الاکثر مشاهدة