2017 December 14 - ‫الاثنين 25 ربیع الاول 1439
دور العبادة وتأثیرها في قیام الإمام الحسین(ع)
رقم المطلب: ٤٣ تاریخ النشر: ١٨ محرم ١٤٣٨ - ٠٩:٣٧ عدد المشاهدة: 150
المقالات » عام
دور العبادة وتأثیرها في قیام الإمام الحسین(ع)

 


 

دور العبادة وتأثیرها في قیام الإمام الحسین(ع)

 

 

 

 

 

بالسعی من

السید ابوالفضل الطباطبایی الاشکذری

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إن الإمام الحسین (ع) أحد الكواكب المشرقة من أئمة أهل البيت (ع) الذین لهم دور واسع في سعادة البشر وحیاتهم الطیبة، وهو کآبائه وأبنائه الأكارم خير أسوة حسنة للناس في جمیع الأقوال والأفعال؛ لأنهم بلغوا ذروة الكمال بتهذیب أنفسهم وملازمتهم للتقوى والعبادة،  وأقاموا منار هذا الدين، ورفعوا شعار الحق والعدل والإنصاف وطبقوه ذلك في سیرتهم الاجتماعية، وتبنَّوا القضايا المصيرية للإسلام.

إن الإمام الحسین(ع) مظهر جمیع الاوصاف الکمالیه بل والأوصاف المتضادة في الظاهر، حيث رآه الناس في ساحاته الخارجية وتعایشه مع المرافقین والأصحاب محباً للخلق ومن أهل المعاشرة الصالحة، وكان إذا عاشر الفقراء یراه الناس کأنه فقیرٌ لا مالَ له، یجلس معهم ویأکل معهم بل وینام معهم، و إذا عاشر العلماء تراه عالماً كبيراً في أعلی درجات العلم، وإذا عاشر الأهل والعیال والأسرة كان من أشد الناس عطوفة، وإذا اشتغل بالعبادة منفردا كان العابد الزاهد، لا یشتغل بغیر العبادة، و أما إذا نزل إلى القتال ضد الأعداء لم يشاهد الناس في التاريخ أشجع منه، ويشهد لذلك وقوفه (ع) يوم عاشوراء في مقابل الأعداء بشجاعة حقيقية حارت في تعقلها الألباب والعقول، وقد حکی الناس عنه بأنه (ع) لا یخاف من أحد ولا يخشى إلا الله.

و هنا سؤال یمکن أن يُطرح وهو: ما هو السبب الذي جعل الإمام ينال هذا المقام، و أي جانب من سیرته  (ع) كان له هذا الأثر، فهل كانت شجاعته قد أثرت في سائر جهات شخصیته و سیرته؟ أم الجلوس مع الفقراء اثر في تَشَکُّلِ سائر خصوصیاته؟ أم خصوصياته الفردية في الخلوة مع الله وعبادته وتهذیب نفسه أوجب تلبَّسَه بسائر الصفات؟

والجواب الذي یمکن أن نقول به هو: إن الجهات الشخصية في الإنسان تقوي الجهات الاجتماعية، أي إن الإنسان إذا كان في خلوته قویاً فسيكون في جلوته قویاً أيضاً، ولا عکس.

ومن الممکن لبعض الناس العاديين أن يكون في الجلوة والظاهر متقیاً و یحذر المعاصي والذنوب، وإذا خلا بنفسه لا یتقي الله، وأكثر أهل التقوى والعبادة وتهذيب النفس في الخلوات ففي جلواته وظاهره أيضاً هو من المتقین و المتعبدین.

لان العبادة فی الخلوة،  ینتقل بها الإنسان إلى أعلی مراتب الإيمان والقوة.

 

العبادة انتقال من الخلق الی حضرة الرب

الاشتغال بالعبادة انتقال من الخلق إلى حضرة الحق، وذلك الانتقال في طریق صعودي أي إن العبد حینما يشتغل بالعبادة فکأنه یصعد إلى السماء کمن یسافر بالطائرة متزوداً بكل التجهیزات واللوازم، فإذا صعد إلى السماء قدماً بعد قدم و نظر إلى أطرافه تحصل عنده البهجة والحبور، و إذا صعد غاية الصعود فقد حصل له ما يوجب كمال اللذة والبهجة  فکانه لا یری شیئا إلا لذة الصعود.

وقد عن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم أنه عندما كان يبدأ في الصلاة كانوا يسمعون من صدره  أزيزا ًكأزيز الـمِرجَل.

وعن علي عليه السلام أنه  قال: :كانَ رَسولُ اللّه صلى الله عليه و آله لا يُؤثِرُ عَلَى الصَّلاةِ عَشاءً وَ لا غَيرَهُ، وَ كانَ اِذا دَخَلَ وَقتُها كَاَنـَّهُ لا يَعرِفُ اَهلاً وَ لا حَميماً" مجموعه ورام، ج 2، ص 78.

فمن استبعد ذلك و قال کیف یمکن ان لا یعرف الانسان أهله و أسرته فلیراجع کتاب الله تعالی و لیقرأ  قصة یوسف، ولْيقرأ قوله تعالى (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ‏ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ) فإن النسوة لما غلب على قلوبهن جمال يوسف عليه السلام غلبةً أوصلَتْهنَّ إلى حيث قطعن أيديهن وما شعرن بذلك، فإذا جاز أن يغلب حبُّ البشر على قلب البشر فيجوز ذلك بطریق أولی عند استيلاء عظمة الله على القلب.

و هناك مثال آخر: من دخل على ملِك مَهيب فربما يمرّ به أبواه وبنوه وهو ينظر إليهم ولا يعرفهم لأجل أن استيلاء هيبة ذلك الملك تمنع القلب عن الشعور بهم ، فإذا جاز هذا في حق ملك مخلوق مجازي فجوازه في حق خالقِ العالمِ أولى .

 

مراتب العباد بین اعلی درجات العبودیه و أدناها:

إن لعباد الله منازلَ و مراتباً عند الله تعالی یتفاضلون بها بینهم حسب عبودیتهم،  ومن کان اعلی مرتبه من البعض في العبودیه، فهو عند الله أعظم منزله واشرف مقاماً قطعاً.

و ان تفاضل المراتب بین العباد لیس بحسب مقدار العبادات بل بحسب کیفیها، و هدف اتیانها.

ففی کتاب الله عز وجل قد صرح بتلك المراتب فی بعض الآیات الکریمه.

المرتبه الاولی:

فَلْیَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَیْت الَّذى‏ اَطْعَمَهُم مِنْ جوُعٍ وَ آمَنَهُم مِنْ خَوْفٍ. سوره قریش، آیه 3.
هذه المرتبه من العبادة کمحبه الأطفال بالنسبة الی آبائهم، من جهه ان الآباء یشترون لهم هدایا وحلویات و غیر ذلک، و الاطفال یحبون الآباء لأجل ذلك.

و العباد فی هذه المرتبه من العبادة ایضا من جهه ان الله تعالی اطعمهم من جوع و آمنهم من خوف، یعبدونه تعالی.

المرتبه الثانیه:

ان بعض العباد یعبدون الله تعالی بحسب البرکات والآثار التی یتوقعونها من الله تعالی، من الآثار الروحیه و المعنویه.

ففی کتاب الله عزوجل:

ِانَّ الصَّلوةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنكَر. سوره عنكبوت، آیه 45.

أي إنهم یتوجهون الی عباده الله عزوجل من حیث انهم یحبون ان يجتنبوا الفحشاء والمنکر وهذا المطلوب عندهم من آثار العبادة.

المرتبه الثالثه:

والعبد فی هذه المرتبه یعبد الله تعالی لأنه یحب ان یذکر الله عزوجل فقط.

کما قال الله تعالی لنبیه موسی: اَقِمِ الصَّلوةَ لِذِكْرى‏. سوره طه، آیه 14.
لان موسی(ع) ما عبد الله تعالی طمعا في الطعام و الشراب و ما عبد الله تعالی اجتنابا عن الفحشاء و المنکر، لانه نبی من انبیاء الله، لایقرب فحشاءً و لا منکرا اصلا.

بل انما كانت عبادته لله من جهة الأنس بذکر الله و التقرب الی الله و الحب فی الله.

 

مراتب العبادة في الأحاديث و سیره المعصومین(ع):

ومما يُقرُّ عينَ الإنسان أنه إذا نظر إلي الاحادیث و الروایات الصادره عن المعصومین(ع) یری تفسیر ما کان فی کتاب الله تعالی بعینه فی الاحادیث.

و بهذا قد تبین للمتامل فی هذین الثقلین، ان اهل البیت(ع) هم القرآن الناطق.

علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن جميل ، عن هارون بن خارجة ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال :  إن  العباد ثلاثة  : قوم عبدوا الله عز وجل خوفا فتلك عبادة العبيد وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب ، فتلك عبادة الاجراء ، وقوم عبدوا الله عز وجل حبا له ، فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة . الكافي: 2/84.

و یمکن لکل من تأمل ان یجد جمیع هذه الاقسام فی سوره الحمد من کتاب الله العزیز بهذا البیان.

لان سوره الحمد تشتمل علی جزئین: جزء منها للرب و جزء منها للعبد

اما الجزء الذی للرب فهو من اول السوره الی آیه ایاک نعبد و ایاک نستعین  و اما من هذه الآیه الی آخر السوره فهو للعبد یتمنی ما یحب و ما یری أن مصلحته فیه.

فمن قال ایاک نعبد و ایاک نستعین ، فهو ناظر حین قراءة الآیه الی احدی الآیات السابقه لهذه الآية.

اما نظره حین القول بهذه الکلمه الی الآیه السابقه لها (مالک یوم الذین) یعنی ایاک نعبد بما انک مالک یوم الدین و یوم الدین یوم الخوف من العذاب، فحذرا من عذابک یا الله ایاک نعبد،  فهذا الشخص ممن یعبد الله تعالی خوفا من النار، هذا القسم الاول من اقسام العبادة والعباد.

و اما نظره عند التلفظ بهذه الکلمه الی آیه (الرحمن الرحیم) یعنی یقول العبد : یا الله بما انک رحمن و رحمتک تشمل جمیع الخلائق کلها و انا من الخلائق، و انک رحیم  و رحمتک الرحیمیه تشمل المومنین خاصه و انا ایضا من المومنین ، فطمعاً برحمتک العامة و رحمتک الخاصه ، فایاک نعبد و ایاک نستعین، فهذا الشخص ممن یعبد الله تعالی طمعا للجنه و هذا القسم الثانی من اقسام العبادة و العباد.

و اما نظره حین القول بهذه الکلمه الی آیه ( الحمد لله رب العالمین) یعنی بما انک یا الله رب العالمین،  و تربی العالمین ، و مستحق للحمد و العبادة  و انا احب ان اعبدک و استعین بك فأقول: إياک نعبد و إیاک نستعین، و ما اطمع فی جنتک و ما اخاف من نارک بل کانت عبادتی ایاک بما انک اهل للعباده، فهذا الشخص ممن یعبد الله تعالی حبا لله ، وهذا القسم الثالث من العبادة و هو أفضل العبادة و هي عباده الأحرار.

و ان هذا النوع من العبادة و الخلوة بین الخلق و الرب یوجب التلبس بسایر الاوصاف الحمیده المتضاده ظاهرا، و ان الامام الحسین(ع) بما انه کان من اهل الخلوه بالله تعالی و من اهل العبادة لله تعالی حبا و اخلاصا له، فاثرت عبادته فی تلبسه بسایر الاوصاف، و لکن هذا غیر ما کان الامام لائقا بالتلبس من جهه عنایه الله تعالی به و جعله معصوما.

فکل ما نشاهده من علماء الدین و بخاصة اکابرهم من شجاعتهم  العلمیه و قدرتهم علی اختیار مواقفهم السیاسیة في مقابل الأعداء و عدم وقوع الخطاء فی مواقفهم و حتی ان الاعداء يخافون منهم و من کلامهم و مواقفهم و بصیرتهم ، کل ذلک يعود إلى التزامهم بالعبادة فی الخلوات اکثر مما نری فیهم فی الجلوات.

و اذا کنا نشاهد الامام الخمینی (ره) قد تولی القیام بالحق بنفسه وحیدا فریدا فی مقابل الاستکبار  و لایخاف من احد، و لایتزلزل فی الحوادث والكوارث، حتی أُبْعِدَ من وطنه ظلما، و ألجئ إلى بلد غیر إسلامي،

وعندما رجع بعد  انتصار ثورته الإسلامية الی ایران و وسألوه في الطائرة عن حاله وإحساسه ومشاعره قال: لست في حاله جدیده! فکل ذلک أيها الأعزاء لأنهم التزموا بالعبادة  في الجلوات أكثر من الخلوات.

و اذا راینا ان السید القائد فی ایامنا قد تکلم بکلمه فی موضع، تحیر الاستکبار العالمی من کلامه، او هدد الاستکبار و اذنابهم بانهم لایقدرون علی ارتكاب ای حماقة بالنسبة الی ایران مثلا و قال لاسرائیل الغاصبة و توعَّد الكيان الاسرائيلي في حال ارتكابه أي حماقة ضد الجمهورية الإسلامية، بأن الرد الايراني سيسوي تل أبيب وحيفا مع الأرض والتراب.

و إذا أراد الكيان الصهيوني شن أي حرب على البلاد فإن إيران ستسحق الكيان وتدمر تل أبيب. کل هذه المواقف تحکی لنا انه کان علی اقتدار معنوی متاثر عن خلواته قبل جلواته. و اذا قال کلمه تزیل الوهم و الخطاء عن اذهان المومنین فلالتزامه بهذه الآیه: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا)  الأنفال: 29/8. .

و الذی نسمعه من مقتل الامام الحسین(ع) فی عصر یوم تاسوعاء و لیله عاشورا واستمهال الامام (ع) من العدو بتاخیر الحرب الی الغد و یوم عاشوراء للعباده؛ لایکون هذا الا النیل بهذه المرتبه الثالثه الاخیره من العبادة

وقال العباس بن علي ( عليه السلام ) :  يا أخي ! أتاك القوم ، فنهض الحسين (عليه السلام ) ، ثم قال : يا عباس ! اركب بنفسي أنت - يا أخي ! - حتى تلقاهم فتقول لهم : ما لكم ؟ وما بدا لكم ؟ وتسألهم عما جاء بهم ؟

فأتاهم العباس فاستقبلهم في نحو من عشرين فارسا فيهم زهير بن القين ، وحبيب بن مظاهر ، فقال لهم العباس ( عليه السلام ) : ما بدا لكم ؟ وما تريدون ؟ قالوا : جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم .

قال : فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم . فوقفوا ثم قالوا : ألقه فأعلمه ذلك ، ثم القنا بما يقول . فانصرف العباس ( عليه السلام ) راجعا يركض إلى الحسين ( عليه السلام ) يخبره بالخبر ، ووقف أصحابه يخاطبون القوم .  وحين أتى العباس بن علي حسينا ( عليهما السلام ) بما عرض عليه عمر بن سعد ، قال له الحسين ( عليه السلام ) : ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عنا العشية ، لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره ، فهو يعلم أني قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار......

تاریخ طبری: 3/314. موسوعه کلمات الامام الحسین: 475.

فالتهجد ليس مجرد قيام وصلاة في جوف الليل يتحمل فيه القائم عناء السهر، وإنما هو في مدرسة أهل البيت عليهم السلام  منهج للإعداد النفسي، والروحي، والإيماني، والجسدي.

ولأجل هذه المزايا وغيرها اتخذ الإمام الحسين عليه السلام ليلة عاشوراء، ليلةً للمناجاة والصلاة وتلاوة كتاب الله تعالى، وكثرة الدعاء والاستغفار، والتزود بالطاقات والفيوضات الإلهية.

و لقد أثر تهجد الإمام الحسين عليه السلام واصحابه على الأعداء تأثيراً بالغاً ومن عدة جوانب: الجانب الرسالي ، الجانب النفسي،  الجانب العسكري ففي هذه الجوانب أوجد تهجد الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه رعباً في نفوس الأعداء بمستوى كبير جداً.

و فی الختام نحن رجال دین و علماء المسلمین اذا اردنا التوفیق فی التبلیغ و سایر الامور فحري بنا أن نلتزم بالعبادة في الخلوات والالتزام بلوازم التقوی والاخلاق.



Share
* الاسم:
* البرید الکترونی:
* نص الرأی :
* رقم السری:
  

أحدث العناوین
الاکثر مناقشة
الاکثر مشاهدة